إن ما تشهده سوريا اليوم كشف بوضوح كثيرًا من الوجوه والمواقف. فهناك من اختار الوقوف إلى جانب مشروع الدولة والاستقرار وإعادة البناء، وهناك من وضع مصالحه الشخصية فوق مصلحة الوطن، فبات يعارض لا من أجل الإصلاح، بل لأنه لم يحصل على نفوذ أو مكاسب أو مواقع كان يطمح إليها.
في المراحل الانتقالية التي تمر بها الدول الخارجة من الأزمات الكبرى، تتكشف الحقائق بسرعة، وتسقط كثير من الأقنعة السياسية والشخصية. وسوريا اليوم ليست استثناءً من هذه القاعدة. فمع بدء تشكل مرحلة جديدة عنوانها إعادة بناء الدولة واستعادة الاستقرار، برزت بوضوح فئتان: فئة ترى في هذه اللحظة فرصة تاريخية لإنقاذ الوطن، وفئة أخرى لم تستطع تجاوز حساباتها الضيقة ومصالحها الخاصة.
المشكلة الحقيقية ليست في وجود معارضة سياسية، فالمعارضة الوطنية جزء طبيعي من أي حياة سياسية صحية، بل في نوعية هذه المعارضة ودوافعها. هناك فرق كبير بين معارضة تسعى إلى الإصلاح وتعزيز مؤسسات الدولة، وبين معارضة تتحرك بدافع الانتقام السياسي أو فقدان الامتيازات أو الارتباط بأجندات خارجية لا ترى في سوريا سوى ساحة نفوذ وصراع.
لقد اعتادت سوريا لعقود على منظومة قامت على المحسوبيات والولاءات الشخصية أكثر من اعتمادها على الكفاءة والمؤسسات. وكانت النتيجة دولة أُنهكت تدريجيًا، وفقدت قدرتها على التطور والاستجابة لتطلعات شعبها. ولذلك، فإن أي مشروع وطني جديد لا يمكن أن ينجح إذا أعاد إنتاج العقلية ذاتها، حتى وإن تغيّرت الأسماء والشعارات.
اليوم، تبدو الحاجة ملحة للانتقال إلى مفهوم مختلف للدولة؛ دولة تقوم على الكفاءة، وسيادة القانون، والعمل المؤسساتي، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الفردية والفئوية. وهذا التحول بطبيعته سيصطدم بأولئك الذين استفادوا طويلًا من الفوضى أو من شبكات النفوذ القديمة، أو الذين اعتادوا اعتبار الدولة وسيلة لتحقيق المكاسب لا إطارًا جامعًا لحماية المجتمع.
الحكومة الحالية، مهما اختلفت الآراء حول أدائها، تعمل في بيئة شديدة التعقيد، داخليًا وخارجيًا. ومن غير الواقعي توقع حلول سحرية بعد سنوات طويلة من الحرب والانهيار الاقتصادي والتفكك الاجتماعي. إلا أن ما يحتاجه السوريون اليوم ليس خطاب التخوين المتبادل ولا الاستثمار في الانقسام، بل بناء حد أدنى من التوافق الوطني حول أولويات المرحلة: الأمن، الاستقرار، إعادة الإعمار، واستعادة الثقة بمؤسسات الدولة.
وفي المقابل، فإن أي سلطة تسعى فعلًا إلى بناء دولة حديثة مطالبة أيضًا بفتح المجال أمام النقد المسؤول، وتعزيز الشفافية، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص. فالدولة القوية لا تُبنى بإلغاء الأصوات المختلفة، بل ببناء عقد اجتماعي يشعر فيه المواطن أن حقوقه محفوظة وأن مستقبله مرتبط باستقرار وطنه لا بولائه لهذا الطرف أو ذاك.
إن سوريا اليوم أمام فرصة تاريخية نادرة. فإما أن يتحول السوريون إلى شركاء في مشروع وطني جامع يتجاوز الجراح والانقسامات، وإما أن تبقى البلاد أسيرة الحسابات الشخصية والتجاذبات الخارجية التي استنزفتها لسنوات طويلة.
الحفاظ على سوريا لا يكون بالشعارات وحدها، بل بالوعي بأن الدولة ليست غنيمة، وأن الوطن أكبر من الأفراد والمناصب والمصالح المؤقتة. وحدها هذه القناعة قادرة على تحويل الألم الطويل الذي عاشه السوريون إلى بداية حقيقية لمرحلة أكثر استقرارًا وعدالةً.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق